ابن أبي الحديد

263

شرح نهج البلاغة

وعليك ثياب أهل النار ! إن أحدكم ليجعل الزهد في ثيابه والكبر في صدره ، فلهو أشد عجبا بصوفه من صاحب المطرف . وقال ابن السماك لأصحاب الصوف : إن كان لباسكم هذا موافقا لسرائركم فلقد أحببتم أن يطلع الناس عليها ، ولئن كان مخالفا لها لقد هلكتم . وكان عمر بن عبد العزيز على قاعدة عمر بن الخطاب في ملبوسه ، وكان قبل الخلافة يلبس الثياب المثمنة جدا ، كان يقول : لقد خفت أن يعجز ما قسم الله لي من الرزق عما أريده من الكسوة وما لبست ثوبا جديدا قط إلا وخيل لي حين يراه الناس أنه سمل أو بال ، فلما ولى الخلافة ترك ذلك كله . وروى سعيد بن سويد ، قال : صلى بنا عمر بن عبد العزيز الجمعة ، ثم جلس وعليه قميص مرقوع الجيب من بين يديه ومن خلفه فقال له رجل : إن الله أعطاك يا أمير المؤمنين ، فلو لبست فنكس مليا ثم رفع رأسه فقال : إن أفضل القصد ما كان عند الجدة ، وأفضل العفو ما كان عند المقدرة . وروى عاصم بن معدلة : كنت أرى عمر بن عبد العزيز قبل الخلافة فأعجب من حسن لونه وجوده ثيابه وبزته ، ثم دخلت عليه بعد أن ولى ، وإذا هو قد احترق واسود ولصق جلده بعظمة ، حتى أوليس بين الجلد والعظم لحم ، وإذا عليه قلنسوة بيضاء قد اجتمع قطنها ويعلم أنها قد غسلت ، وعليه سحق ( 1 ) أنبجانية قد خرج سداها ، وهو على شاذ كونه ( 2 ) ، قد لصقت بالأرض تحت الشاذ كونه عباءة قطوانية ( 3 ) من مشاقة الصوف ، وعنده رجل يتكلم ، فرفع صوته ، فقال له عمر : اخفض قليلا من صوتك ، فإنما يكفي الرجل من الكلام قدر ما يسمع صاحبه . وروى عبيد بن يعقوب أن عمر بن عبد العزيز كان يلبس الفرو الغليظ من الثياب ، وكان سراجه على ثلاث قصبات فوقهن طين .

--> ( 1 ) جمع سحق ، وهو الثوب البالي . ( 2 ) الشاذكونة : ثياب غلاظ تعمل باليمن . ( 3 ) قطوانية : منسوبة إلى قطوان ، موضع بالكوفة .